هشام جعيط
71
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
والرمل الأحمر ، فأما مصدر الحصباء فهو الرسوبات النهرية وأما الرمل الأحمر فهو متأتّ من الغرب ، كما يدل اسمه على ذلك ( سهلة ) لأن مسجد السهلة الذي استكشفته التنقيبات كان يقع بالضبط إلى الشمال الغربي من المصر . وبقدر ما نقترب من النهر في المنطقة الغربية دائما ، تكون الأرض مشكّلة من غرينات طينية تحدّد الملطاط « 1 » . إن جودة موضع الكوفة ، وهواءها النقي ومواردها المائية الطيبة ، كل ذلك كالت له كتب الأدب المديح ، ولا سيما من خلال ذكرها للمجالس التي تواجه فيها الكوفيون والبصريون ، وقد اعترف البصريون على الدوام بعيوب مدينتهم « 2 » . وفوق كل ذلك ، إنّ ما يجعل هذا الموضع ذا قيمة استثنائية بالنسبة للسكن البشري ، كونه محاطا من كل جانب بمناظر جغرافية تختلف شديد الاختلاف : الصحراء والنهر والبطائح والبحيرة المالحة ، دون التأثر بمساوئها . وفي إمكان هذه الصلة الممتازة بين الصحراء والأرض الزراعية ، المستقرة ، المائية أن تنشيء نوعا من التكامل ينبغي التعمق والتمعن فيه ، لأن الأمر قد يتعلق أيضا بحل تلفيقي ، مستحيل ، أو يتعلق بالتردد وعدم الاختيار . إن تربة الكوفة لم تكن معدة للزراعة بل للاستقرار البشري . فاستقر العرب فيها ، ولم يجدوا سوى ثلاثة أديرة فصلت بينها مساحات قصب ، هي دير حرقة ودير أم عمرو ، ودير سلسلة . كانت هذه الأديرة شاهدا على استقرار المسيحية العربية التي أشعت انطلاقا من الحيرة « 3 » . وعلى هذه المواضع الهادئة أقيم في أواخر 17 ه / 638 تجمّع هائل من القبائل العربية والعشائر وأنصاف القبائل ، أتى البعض منها من البعيد النائي والبعض الآخر من البعيد القريب ، فجعلوا منها مكانا ساميا للتاريخ المضطرب ورحما أساسيا للحضارة والثقافة الإسلامية قاطبة .
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 42 ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 277 . من رأي سيف أن اللسان هو ظهر الكوفة ، أي حدها الغربي المعلى وهو يمتد في جهة الفرات بالملطاط ، وفي جهة الطين بالنجاف . فنجد من الغرب إلى الشرق : النجاف ، واللسان ذاته ، والملطاط . وتابعه ماسينيون عن كثب ، واضعا الملطاط على حافة النهر : . Massignon , op . cit . , p . 37 ولكن عبارة سيف غامضة . أما البلاذري فقد حدد موقع الملطاط بين الكوفة والحيرة ، وجاراه صالح العلي في ذلك : مرجع مذكور ، ص 25 . ( 2 ) ابن الفقيه ، ص 164 ؛ ياقوت ، ج 4 ، ص 492 . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 41 ؛ لم يذكر الشابشتي أي دير منها في الديارات ، ولا ياقوت ، لكنهما أشارا معا إلى وجود دير الحريق ، بالحيرة : الديارات ، ص 230 ، ومعجم البلدان ، ج 2 ، ص 505 .